ابن كثير
29
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بمخالبها كما تكلبه الكلاب ، فلا فرق ، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم واختاره ابن جرير ، واحتج في ذلك بما رواه عن هناد « 1 » ، حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم ، قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن صيد البازي فقال : « ما أمسك عليك فكل » واستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود ، لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود » فقلت : ما بال الكلب الأسود من الأحمر ؟ فقال : « الكلب الأسود شيطان » « 2 » . وفي الحديث الآخر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بقتل الكلاب ، ثم قال « ما بالهم وبال الكلاب ، اقتلوا منها كل أسود بهيم » « 3 » وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح من الجرح ، وهو الكسب ، كما تقول العرب : فلان جرح أهله خيرا ، أي كسبهم خيرا ، ويقولون : فلان لا جارح له أي لا كاسب له ، وقال اللّه تعالى : وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ الأنعام : 60 ] أي ما كسبتم من خير وشر . وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم : حدثنا حجاج بن حمزة ، حدثنا زيد بن حباب ، حدثني يونس بن عبيدة ، حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى أم رافع ، عن أبي رافع مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بقتل الكلاب ، فقلت : فجاء الناس فقالوا : يا رسول اللّه ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فسكت ، فأنزل اللّه يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ الآية ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أرسل الرجل كلبه وسمى ، فأمسك عليه ، فيأكل ما لم يأكل » وهكذا رواه ابن جرير « 4 » عن أبي كريب عن زيد بن الحباب بإسناده عن أبي رافع قال : جاء جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليستأذن عليه ، فأذن له ، فقال : « قد أذنّا لك يا رسول اللّه ، قال : أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب » قال أبو رافع : فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها ، فتركته رحمة لها ، ثم جئت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته ، فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته ، فجاؤوا فقالوا : يا رسول اللّه ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ قال : فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : فأنزل اللّه عز وجل يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ . ورواه الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به ، وقال :
--> ( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) صحيح مسلم ( صلاة حديث 265 ) ( 3 ) سنن أبي داود ( أضاحي باب 21 ) وصحيح مسلم ( مساقاة حديث 47 ) ومسند أحمد 3 / 333 وسنن الترمذي ( صيد باب 16 و 17 ) ( 4 ) تفسير الطبري 4 / 428 .